ابن عجيبة
56
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؛ كفر ونفاق ، أَمِ ارْتابُوا في نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ ؛ أن يجور اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ فيحكم بينهم بغير الحق . قسّم الحق تعالى الأمر في صدود المنافقين عن حكومته - عليه الصلاة والسلام - إذا كان الحق عليهم إلى ثلاث : بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين ، أو مرتابين في أمر نبوته ، أو خائفين الحيف في قضائه ، ثم أبطل الكل بقوله : بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، أما الأولان ؛ فلأنه لو كان شئ منهما لأعرضوا عنه ، عند كون الحق لهم ؛ لتحقق نفاقهم وارتيابهم ، وأما الثالث ؛ فلمعرفتهم بأحواله صلى اللّه عليه وسلم في الأمان والثبات على الحق ، فهم لا يشكون أنه لا يحيف ؛ بل لأنهم هم الظالمون ، يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ، ويتم لهم جحودهم ، فيأبون المحاكمة إليه - عليه الصلاة والسلام - لأنه صلى اللّه عليه وسلم يقضى عليهم بالحق الصريح ، المؤيد بالوحي الصحيح . الإشارة : ترى فريقا من الناس يدّعون الإيمان والطاعة والمحبة ، ونفوسهم غالبة عليهم ، فإذا دعوا إلى من يحكم بينهم وبينها ، بأن يأمرهم بمجاهدتها أو قتلها ؛ إذا فريق منهم معرضون ، وإن يكن لهم الحق ، بأن وجدوا من يدلهم على البقاء مع عوائدها وشهواتها ، يأتوا إليه مذعنين . أفي قلوبهم شك ووهم ، أم ارتابوا في وجود الطبيب ، أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ؟ بأن يدلهم على من يتعبهم ولا يبرئهم ، حيث حسّنوا الظن به والتجئوا إليه ، فلا يدلهم إلا على من يوصلهم إليه ، بل أولئك هم الظالمون لنفوسهم ، حيث حرموها الوصول ، وتركوها في أودية الشكوك والخواطر تجول . قال الورتجبي : وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : دعوا إلى مشاهدة اللّه بنعت المحبة والمعرفة ، وعبودية بنعت الإخلاص ، ودعوا إلى رسوله بالمتابعة والموافقة في الشريعة والطريقة . ه . ثم ذكر الفريق الثاني ، وهم المخلصون ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 51 إلى 52 ] إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 51 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 52 ) قلت : ( قول ) : خبر « كان » ؛ مقدّم ، و ( أن يقولوا ) : اسمها ؛ مؤخر ، وقرأ الحسن : بالرفع ؛ على الاسمية ، والأول : أرجح ؛ صناعة ، والثاني : أظهر ؛ دلالة ، وأكثر إفادة . انظر أبا السعود .